عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

460

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

الشافعي من الأرض لأملاه من صدره - بتحريم الغناء ، وهذه صورة فتياه بحروفها . قال : لا يجوز الضرب بالقضيب ولا الغناء ولا سماعه ، ومن أضاف هذا إِلَى الشافعي فقد كذب عليه . وقد نص الشافعي في كتاب " أدب القضاء " : أن الرجل إذا داوم عَلَى سماع الغناء ردت شهادته ، وبطلت عدالته . وقال الله تعالى : { أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ } ( 1 ) قال ابن عباس : معناه تُغنون بلغة حمير . وقال الله عزَّ وجلَّ : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } ( 2 ) جاء في التفسير : أنه الغناء والاستماع إِلَيْهِ . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إِنَّ الله كره صوتين أحمقين فاجرين : صوتٌ عند نعمة ، وصوتٌ عند مصيبة " . يريد بذلك الغناء والنوح . وقال ابن مسعود : الغناء خطبة الزنا . وقال مكحول : الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت السيل البقل ، والله أعلم . هذا جواب محمد بن المظفر الشامي الشافعي ، ثم كتب بعده موافقة له عَلَى فتياه جماعة من أعيان فقهاء بغداد ، من الشافعية والحنفية والحنبلية في ذلك الزمان ، وهو عصر الأربعمائة ، وهذا يخالف قول كثير من الشافعية في حمل كلام الشافعي عَلَى كراهة التنزيه . والمعنى المقتضى لتحريم الغناء : أن النفوس مجبولة عَلَى حُب الشهوات ، كما قال تعالى : { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ . . . } ( 3 ) الآية ، فجعل النساء أول الشهوات المزينة . والغناء المشتمل عَلَى وصف ما جبلت النفوس عَلَى حُبه ، والشغف به من الصُّور الجميلة يُثير ما كمن في النفوس من تلك المحبة ، ويُشوق إليها ، ويُحرك الطبع ويزعجه ، ويخرجه عن الاعتدال ، ويؤزه إِلَى المعاصي أزًّا .

--> ( 1 ) النجم : 59 - 61 . ( 2 ) لقمان : 6 . ( 3 ) آل عمران : 14 .